على وقع القصف الإسرائيلي المدمر والذي لا تنتهي حلقاته يوصل سكان قطاع غزة نهارهم بليلهم وتمضي ساعاتهم ثقيلة وبطيئة فيما الموت يحدق بهم جميعا، ولا تكاد تمر ساعة واحدة دون أن يسقط المزيد من الشهداء، بسبب الصواريخ التي تنهال على رؤوسهم مع امتداد القصف لأول مرة إلى أهداف مدنية بحتة كالمنازل والجامعات والمؤسسات التعليمية والصحية والصحفية والمرافئ، فضلا عن المساجد التي باتت في مرمى النيران، دون ان تستثني الأضرار الناجمة عن القصف مستشفى الشفاء وسط غزة، وهو المستشفى المركزي في القطاع.
وتتجلى المعاناة بصورة اكبر مع بدء الليل في اسدال ستاره، ويسود الظلام الدامس كافة أرجاء غزة، بسبب انقطاع الكهرباء بصورة كاملة، وتبدو غزة في هذه الاثناء مدينة أشباح لا صوت فيها يعلو على صوت الطائرات الاسرائيلية المختلفة الانواع بدءا من “طائرات الاستطلاع” ومرورا بطائرات “الأباتشي” ووصلا لطائرات “اف 16″، ومع دخول ساعات الليل يزيد دكها للأهداف الفلسطينية لتخلف بالاضافة للشهداء والجرحى والدمار الهائل، خوفا ورعبا يبدو واضحا بشكل أكبر على الاطفال الذين راح عدد كبير منهم بين الضحايا، وكان اخرهم أربع شقيقات دون العاشرة من أعمارهن استشهدن بقصف ليلي مدينة في غزة، بينما استشهد ثلاث أطفال في رفح جنوب القطاع.
في ليل غزة يأبى النوم أن يزور السكان المنتظرين في أي لحظة ان يكونوا في عداد الضحايا، بيوتهم المتواضعة وسط المخيمات تهتز مع كل ضربة ومع كل صاروخ وتهتز معها قلوبهم وتكاد تنقلع معها قلوب أطفالهم الصغيرة، الضربات تتوالى حتى الصباح، والمعلومات شحيحة عما يجري؛ فقط صواريخ تنهمر وقذائف تتساقط، والغموض وشح المعلومات عن نتائج هذا القصف يزيد من القلق والخوف، فانقطاع الكهرباء وبالاضافة للرعب النفسي الذي يخلفه في ليالي غزة المظلمة يعزل السكان تماما عن محيطهم، فلا وسائل اعلام تنقل الحدث، ولا هواتف يتصلوا من خلالها لمعرفة ما يدور.
في غزة لا وجود لملاجئ تحمي السكان من القصف المدمر، وحتى البيوت متواضعة وقديمة وقد تنهار على رؤوس ساكنيها لمجرد وقوع قصف جوي قريب منها، وفي غزة رائحة الموت تنتشر في كل مكان، وليالي المدينة الباردة تضفي مزيدا من المعاناة، بينما التهديدات باستمرار العملية العسكرية الاسرائيلية تضاعف الخوف والقلق بين السكان.
ولعل التدرج في القصف الاسرائيلي الذي بدأ بالمراكز الأمنية والشرطية وتواصل بعد ذلك ليستهدف مساجد وجامعات ومراكز صحية وبعض المنازل، لعله يزيد من حالة القلق، فالاكيد هنا ان أحدا لن يتحرك – رسميا – حين تنهار غزة كاملة على من فيها، طالما ان المشاهد التي بثت على مدى اليومين الماضيين لم تترك أي أثر بين الحكام والزعماء العرب، كما ان ثمة يقين هنا بأن ايامهم هذه وبرغم كل قسوتها فإنها حتما ستكون أسوء في حال بدأت العملية البرية التي تحشد اسرائيل لها، وتلوح بشنها قريبا بعد ان تنهك غزة بالقصف الجوي الذي لم يتوقف أبدا.
لم استخدمه في حياتي إلا هذه الأيام
لم يكن يعلم محمد العشي “45″ سنة انه سيأتي يوم عليه يجلس على صوت المذياع دون ان يبرح مكانه تاركا التلفاز خلف ظهره فيقول بنبره قد اكتست بحزن عميق :” منذ زمن طويل لم استخدم المذياع فالأيام تتطور و التلفاز قد ظهر على سطح التطور التكنولوجي وبدأت صفحات الفضائيات الإخبارية تتصارع في نقل الحدث فلم أكترث ان اسمع للمذياع في حينها , أما الآن فقد تحولت الأيام الى ظلال وكأنها لم تعد معروفة لدينا فكل شيء تغير و الكهرباء مقطوعة كما ولا نسمع إلا صوت انفجارات تتعالي بين كل ثانية و أخرى ,فأضحى المذياع بالنسبة لي الآن من أولويات حياتي ” ويكمل العشي قوله بعد تنهيده طويلة :” اسأل الله عز وجل ان يفك ويزح هذه الغمة و ان يوقظ العرب الذين تعمقوا في نومهم ألا يسمعون أصواتنا أم قد أصابهم الصمم “.
وفي ناحية أخرى يتنقل رامي 20 سنة من سوق لآخر باحثا عن بطاريات يشحن بها مذياعه من جديد فيقول متأثرا :”تحت مظلة القصف أتنقل من سوق لآخر باحثا عن بطاريات للمذياع , فالآن لا اعرف أي خبر إلا عن طريقه , أعاننا الله على هذه الأيام ” ويختتم رامي قوله بدعاء :”اللهم فرج كربنا وحد صفنا و انصرنا على القوم الظالمين “.
رفيقي الوحيد في هذه المجزرة
في وقت كانت أم انس 40 سنة ملتفة بالعديد من رفيقاتها وتتسامر معهن ,وبيتها الذي كان يعج بتلك الأصوات الناعمة , فريثما ما تغير الحال ليضحى المذياع , رفيقها الوحيد فتقول :” حصار موحش وليل مؤلم يلف غزة , فبسبب ما يحدث أصبحت وحيده لا أرى صديقاتي ولا اعرف أخبارهن, فشبكة الاتصالات في غزة ضعيفة بسبب ما يحدث , فأصبح المذياع رفيقي لا يغادرني أبدا , فاقلب المؤشر بيدي ,لانتقل بين المحطات المحلية لمعرفة ما يجول في غزة ” و تطأطأ رأسها بحزن ثم تقول :”الوضع سيء جدا كل شيء يقصف الجامعات و المساجد و الوزارات والبيوت السكنية و السيارات ,فمن كثرة القصف المدفعي ,لا يصمت المذياع عن نقل الأخبار العاجلة أبدا “.