معلمتي سهام .. بقيت رغم رحيلها
نازك أبو رحمة – غزة
أحببت أن اقضي يوم الجمعة في بيت جدتي أنا وعائلتي , و كنت قد أضمرت داخل نفسي إنني أريد راحة كاملة لي لهذا اليوم ,لكن كالعادة فجينات العمل التي بداخلي لا تعرف نوما كاملا فلم البث أن استيقظت في الصباح , وعلمت أن هنالك مظاهرة انطلقت من كل حدب وصوب في قطاع غزة لتتجمهر داخل باحة المجلس التشريعي ,اعتزازا بالموقف المشرق, الذي فعله رئيس الوزراء التركي حتى وعادت تلك الجينات نشطة أكثر من ذي قبل وبدأت تحركني كي أكتب تقريرا للجزيرة توك حيال تلك المظاهرة , وبعد فترة انتهت أناملي من انجاز التقرير وإرساله و من بعدها ذهبت كي اجلس مع ابنه عمتي في غرفة المعيشة كي آخذ قسطا من الراحة معها ,هنا أطلقت خبرا كان وقعه كالصاعقة على, خارقا طبلتي أذني , بأن معلمتي سهام التي كانت تعلمني مادة الرياضيات سابقا أثناء الفترة الإعدادية, قد استشهدت خلال الحرب التي تعرض لها قطاع غزة صمتي كان أقوى ردا على ابنه عمتي حيال هذا الخبر ..
بقى جسدي في غرفة المعيشة لكن روحي وفكري وعقلي كان مع الشريط الذي بدأ بالمرور أمام عيني حول مواقفها وأمنياتها التي كانت تتمناها , برق في ذلك الشريط موقفا من مواقفها .
يوم صباحي من أيام الدراسة كنا قد اتفقنا أنا وزميلاتي على عمل إضراب في باحة المدرسة اعتراضا على المجازر التي ارتكبت في غزة كان وقتها القصف الاسرئيلي وحشي وكالعادة الصمت العربي في مكانه لا يتحرك , أحببنا أن نفعل شيئا لغزة كنا وقتها صغارا , والاندفاع كان من ابرز صفاتنا في تلك المرحلة , وجدنا معارضة شديدة وضارية من مديرة المدرسة لكن في المقابل رحبت معلمتي سهام بتلك الفكرة وقد شجعتنا عليها وبدأت بعمل جلسه لنا وترتيب أفكارنا حيال ما نصبو إليه , وفي نهاية الأمر تحقق الأمر بشكل مميز بفضل إرشاداتها , كانت تمتلك صفات تجذبني كثيرا نحوها ,بدءا بعزة نفسها و مروا بكبريائها الممزوج بالحنان الذي لا يخرج إلا بوقته , كانت مختلفة عن باقي المدرسات بطموحها وأمنياتها ونصائحها لنا كفتيات يمررن بمثل هذا السن الحرج , والتي نكون فيه كأشباه الأطفال و الكبار لا نعرف بأي نقطه نحن …
في كل موقف أتذكرها فيه كان بعتصر بداخل حزن لكن ليس مثل ذاك الحزن المتعارف عليه في العالم , هذا النوع يختلف عن باقي الأحزان في العالم فهو مصبوغ بلون فلسطيني مما يدفعنا إلى أن نكون أقوى وان نصنع من ذاك الحزن جسرا كي نوصل به رسالتنا وطموحنا ..
كان لها أمنيات كثير من بينها تكوين عائلة ,وقتها لم تكن قد حققت تلك الأمنية ,لكني علمت مؤخرا أنها تزوجت وكونت عائلة جميلة ,لكن ثمرة تلك الأمنية التي أنتجت لم تدم طويلا فقد رحلت وتركتها محققة في ارض الواقع لينتزع ذاك البريق الذي أضاء تلك الأماني.
تحرير فلسطين , والعمل و التخطيط والعقلانية من اجل ذلك الهدف, كان شعارا يتوج رأسها بحبات اللؤلؤ , فصحيح انك يا معلمتي قد رحلتي جسدا لكن روحك وما زرعته بداخلنا سيبقى موجودا وسترى ثمرته بإذن خالق السموات و الأرض ظاهرا , فان كان الإنسان قد انتهى أجله في هذه الحياة ولم يستطع تحقيق ما يريد فهنالك أجيالا ستكمل ذاك الدرب ..