صراع التضاد ..
بين الكلمة وعكسها يبرز السؤال وبين الأطراف المتضادة يتكون الخصام, فالدنيا دوامة صراعات يومية تتحرك داخل عمق مياه البحر ,صباحها ومساؤها متوق برحيق بعيد عن رائحة الزهور المعتادة ,رحيق من نوع خاص تشكل بفعل ترسبات أفعال وأقوال ممن لا علاقة لهم بالمبادئ والأخلاق بصلة ، أشد البعد هم ممن يمتلكون السلة الفكرية والدينية في نفوسهم ,وحينما يحتد الصراع بين هؤلاء, يتفنن كل طرف باستخدام أبشع وأكثر الأساليب ضرراً, لكسب الجولة والحصول على نقطة انتصار لصالحهم ,فهم من يشكلون حلبة الصراع ويصنعون من أنفسهم حكاماً بتشريع قوانين تجعلهم في المقدمة دائما ,ولو على حساب غيرهم وجلادين لأي طرف قد يكسب الجولة ولو في أحلامهم ,وقد لا يشعر صاحب النقطة الحاسمة لذة انتصاره , فهاجس خوفه من أن يخسر في أي لحظة ,تجعل فرحته مسلوبة منه بل ومقبوضة في يد غيره,لتتحول عيونه وقت الليل للتفكير بدلا من النوم للحفاظ على الانتصار ..
مشكلة الصراع لا تظهر هنا بين هؤلاء, بل إذا كان احد أطراف ممن يمتلكون المبادئ والأخلاق من أولياتهم وعنصر من عناصر حياتهم, وقع في تلك الدوامة مع أحد الأطراف المضادة لمملكته الفكرية ,وهنا تشوش الأفكار والأساليب ويمسمر العقل, فكيف يحسم الصراع بين من اتخذ من مبادئه منهجاً ومن اتخذ من غريزته طريقا …
إن واقعنا الحالي يشهد العديد من النزاعات بين الحق والباطل وتبقى علامة الاستفهام حول كيفيه استخدام أدوات قوية لصاحب الحق دون أن يتنازل عن مبادئه على ارض يسيطر عليها قانون الغابة ..
ومن جهة أخرى هنالك من يحيد عن طريقه ويتخذ أسلوبا معاكساً لمبادئه ودينه لردع الطرف الآخر واسترجاع حقه المسلوب ,وبعد فترة من الوقت يتغير ,عجينه الفكري فتبدأ الشوائب بغزوه حتى يصبح لا يفرق بينه وبين الطرف الآخر ..
وعلى منحنى آخر هنالك أشخاص يضعون أخلاقهم ودينهم على سلم أولوياتهم وان لم يستطيعوا جلب حقهم , وحسم المعركة لصالحهم ,فالدين والمبادئ بنظرهم أولا ولو على حساب حقوقهم ..
وبين تلك الطرق المعاكسة يظهر مسار آخر ,في أن يعد صاحب الحق عدته وأدوات قوية كما قال الله تعالى في كتابه العزيز “ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم ” [الأنفال:60]..
وفي هذا الموضع القرآني أشير إلى أن القوة والمحافظة على الحقوق يجب أن تعد مسبقاَ لكن هنالك نقطه هامة تلوح في الأفق وهي “الموازنة “أي الاحتفاظ بالدين والحدود التي شرعها الله عز وجل في هذا الكون مع إعداد القوة , فليس كل أداة مشرعه وليس كل أسلوب عنف يؤدي إلى انتصار ,فإن عدنا إلى الوراء وقلبنا صفحات التاريخ سنرى أن فلسفلة اللاعنف التي أطلقها غاندي استطاع أن يحصل على استقلال بلاده “الهند “بطريقة تكتيكية منظمة ..
إن مفهوم القوة “لا يتمثل فقط في إراقة الدماء وفتح الجروح بل قد تستخدم أداة قوية لا تسكب قطرة دم واحد ,فأساليب اللاعنف قد تكون أنجح وأقصر الطرق للانتصار في المحافظة على المملكة الفكرية وعدم جرحها بأي خدش من التيار المضاد ,ويبقى الأمر نسبي في استخدام إحدى الأداتين لكسب الصراع ,فالمنطقة والأشخاص و طبيعة الصراع هي التي تتحكم في نوعية الأداة المتبعة …
ليس معنى أن من يحمل العقل المتزن والدين والأخلاق أن يخسر جولته خوفا من أن يخسر ما يحمل فالموازنة تبقى هي سيده الموقف ….