عناق المودعين على أمل اللقاء..

في آخر ليلة اعتكاف من رمضان..


في ظلمة الليل الساكن تتكئ على عكازها، خارقة حجاز صمت الليل بتمتمتها : “حب الرسول في قلبي علمني الخوف من ربي ، لبسني ثوب التقوى في نفسي ،لبسني سلوكي و أدبي، وربي رباني وعزني بإيماني “.
حركات شفتيها المرتجفتين تتصل معها سرعة في خطواتها، فقدماها تسوقانها إلى المسجد للاعتكاف، فاليوم آخر ليلة من ليال رمضان، فتصحب معها تجاعيدها لتخزن ذكريات هذه الساعات المضيئة .

بانحناء ظهرها تصعد سلالم المسجد، مرسلة ابتسامة المنتصرة “إني عجوز لكن طاقتي كالفتية ، ومادمت حية فلن أكترث لشيخوختي !” ، فيتلعثم الكلام وتتبعثر الحروف لتسرد قصصاً في آخر لحظات رمضانية.

الدنيا عملي وعبادتي … وموتي نتيجة الامتحان
على ركن من أركان المسجد تجلس امرأة عجوز صاحبة رداء أبيض، تسبح وتبكي وترفع يديها من حين إلى آخر للدعاء، “زهديه أبو وطفة “..
80 عاما تصف للجزيرة توك عن أيامها في رمضان وليال الاعتكاف فيه فتقول :”في كل سنة من رمضان آتي إلى المسجد، وأصلي صلاة الترويح وأصر أن أصليها دون الجلوس على الكرسي.

فحينما أسجد لله اشعر بعظمة الخالق، وضعف الإنسان. ونحن الآن في آخر ليلة من ليال الاعتكاف أشعر بحزن يغمرني الآن وكأنني أودع حبيبا سيهجرني “، وتتابع أبو وطفة حديثها :” لا اهتم أني امرأة عجوز، فأنا خلقت لأعبد الله و أفتخر أني مسلمة وما دامت الدماء تسري في عروقي سأظل أقوم الليل وأعتكف في ليالي رمضان، فما أجمل أن يعيش الإنسان لله، ها أنا الآن حية و غداً لا أعلم لربما سأغادر الحياة لكن يجب أن آخذ معي قبل الممات حقيبة عملي وعلي أن أعدها جيدًا قبل الرحيل ولن أسمح أن يتحكم عمري بعبادتي لله ،سأسجد وأصلي واعتكف كل سنة في رمضان بإذن الله “.


“أبو وطفة ” موطنها الأصلي من المجدل وتتمنى أن تعود يوما،فتقول بعد تنهيدة خرجت منها وكأنها بها تريد أن تطفئ وجعاً أحرق صدرها :”أنا من المجدل، وأتمنى أن أعود إلى بلادي ، الاحتلال يظن أنه استوطنها، لكنه مخطئ سنعود يوما ما، وأنا سأقاوم حتى العودة، صحيح أني عجوز لكني أسابق الشباب في طاقتي ودعائي “.

وعلى الأرض تفرش “أبو وطفة “سحورها فاتحة فمها بابتسامة هادئة، وتبدأ بترديد الأدعية فتقول :” اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همي ، أسالك اللهم أن تحرر بلادنا ، وتفك قيد أسرانا وتنصرنا على الظالمين “.

ألوان طفولية مقاومة
أنفاس تلهث، وأقدام تهرول مسرعة صوب النساء في المسجد كي يوزع طعام السحور، فالترانيم الطفولية امتزجت مع أصوات الكبار لتنتج أهازيج مختلطة الألوان.

“وردة الخطيب “12 عاما، تسهر في المسجد كي توفر للنساء في المسجد ما يحتاجون فتقول :”من العام الماضي قررت أن اعتكف في المسجد على طريقتي وأن اعبد ربي، فقررت أن آتى إلى المسجد في كل ليلة من العشرة الأواخر من رمضان، أساعد في توزيع طعام السحور وأي شي تحتاجه النساء، فأنا أحب رمضان فهو شهر خير وبركة، وبذلك أقاوم وأعتكف على طريقتي “.


أما” ليما الشوا” 13 عام والتي تجلس تقرأ القرآن، عين على صفحاته، وأخرى على الساعة فتقول :”الليلة آخر ليلة من الاعتكاف، سأشتاق كثيراً للمسجد ولرمضان، مع أني صغيرة لكن لا اشعر بالنعاس، جميل أن أعبد ربي وأشارك في الدعاء، وها أنا أحاول أن أختم قراءة المصحف “.


وداعا رمضان
“ضياء السوسي”إمام مسجد الكنز في غزة يختم آخر ليلة من ليال الاعتكاف بخطبة دينية صغيرة حول تكملة العبادات وعدم بترها ما بعد رمضان، والحفاظ على العبادة ولو قلت، ومن ثم يتوج نهاية حديثه بدعاء أن يفك الله الحصار عن غزة، ويحرر الأسرى، ويثبت القلوب، ويقبل الأعمال الصالحة.


رفع الأذان وأقيمت صلاة الفجر، تعانق المحبون، وطبعت القبلات شوقاً وحنيناً على الوجوه، واشتبكت الأيادي على أمل أن يجتمع الجميع العام المقبل وقد تحررت البلاد وتحققت الأماني
.

تعليق واحد على “عناق المودعين على أمل اللقاء..

  1. اللهم اجعلنا ربانيين و لا تجعلنا رمضانيين .. اللهم تقبل منا يا الله …

    شكرا لقلمك يانازك .. كتب فعبـــّـــر ..

    تحياتي القلبية :) ..

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>