ثرثرات شارع ورصيف
أنت يا رفيقي هيا أستيقظ، لا تظل كالظل الكسلان، الفجر قد نهض، وأعلن بداية يوم جديد، والشمس ستشرق بأشعة متوهجة تلسع سطحنا كالعادة، أم أنك تريد أن تفتح عينيك على قرصة ساخنة تلامسك من شمس غزة.
نعم أيها الشارع يا جاري ويا قدري أنت، لم هذه الثرثرة في هذا الوقت الباكر، الناس نيام، وأنا لم أعد ذاك الرصيف الشاب، ففي غزة ينضج الأطفال باكرا، ويشيخ الشباب سريعا وها أنا أصبحت عجوزاً، وقدرتي لم تعد كالسابق.
أضحكتني يا رفيقي العجوز، لكني أنا لم أزل في ريعان الشباب، لكن هو القلب المليء بهموم شعب صامد ومنهك من الأحزان.
أتذكر يا صديقي جارنا أبو محمد، كان ابنه محمد يخرج في هذا الوقت من كل يوم، مازال أنفي يشتم رائحته حينما كان يطبع آثاره علينا، أتذكره من الشباب الصامدين والمحبين للوطن، كنا أنا وأنت نراه يكبر أمامنا ونستمتع بعمله ومقاومته للمحتل، لكن للأسف نفس العين التي رأيناه بها في شبابه، كانت هي الأخرى مخزن لذكرى استشهاده بصاروخ حوّل جسده إلى أشلاء .
نعم أيها الشارع، وأتذكر في نفس الوقت ألم أمه عليه وكيف تمالكت وجعها وأطلقت الزغاريد من نفس قوية وقالت بني لم يمت بل ما زال حياً، إنه شهيد، لكن أتدرى لم أعد أسمع خطى أقدام أمه منذ فترة فأين هي؟
يا رصيف الغبرة أنت، الظاهر أنك قد أصبحت عجوزا بما فيه الكفاية كي تنسى، استشهدت هي الأخرى في الحرب ، ألا تتذكر !
قبل أن تأخذ نفسها الأخير أنت قلت لي أنك سمعتها تورث مفتاح غربتها لابنها الصغير أحمد كي لا يتوه في وجع الزمان.
نعم نعم، لقد تذكرت .. آهات وآهات في قلبي عليهم فقد كانوا سلوانا في هذا الوقت.
صحيح أيها الشارع، سمعت البارحة أبا علي وجاره يهمسان لبعضهما ويقولان أنهما سيعيدان حرث أرضيهما التي جرفها المحتل، ما هذه القوة! فكم من مرة انهالت عليها صواريخ المحتل، وكم من مرة جرفت، أتعجب يا عزيزي من قدرة هذا الشعب على الصمود!
ما بالك يا رصيفي العزيز! لم ترتجف؟ تذكرت حالنا أنا وأنت عندما كنا مداساً لأقدام المحتل، أتعلم يا صديقي نحن نرى أشواق وأحزان غزة وندمع، فما بالك بمن يمتلكون تلك الأشياء في قلوبهم، شعب جبار!
أنت أيها الشارع، لم هذا السرحان ، إلى أين ذهبت ؟.
عيني ذهبت يا جاري إلى صديقتا في الشارع الآخر، تحول إلى رمال وحجارة مع مرور الزمن وكل يوم يعانون من المرور لعملهم، لكنهم يتحدون كل يوم عقباته ويسيرون فيه.
نعم نعم هذه العين الأولى، والأخرى أين ذهبت ؟
ذهبت إالى جدران غزة تلك اللوحات المنقوشة عليه من رسومات وكلمات، غزة يا صديقي أسطورة .. انظر إلى ذلك الطفل، إنه يرسم أمله وطموحه على الجدار، وفي الركن الآخر كلمات مشتعلة “مقاومة أطلقت وستنتصر ولو على أجسادنا ” .. إيه ، جميلة تلك الإشارات.
أتستمع إلى المذياع؟ يقولون أن جامعة الدول العربية ستعقد اجتماعها للمرة الألف كي تساعد أهل غزة، ترى هل سيتجرؤون للمرة الأولى ويعلنون غضبهم وصرختهم و يقومون مساعدتنا فعلاً ؟ أم أنه كلام منثور في الهواء؟!.
ههه لا أعتقد يا رصيفي المخلص، هناك من تعود على غبار السكوت، إنه حال العرب، ،بل هو يؤلمني أكثر من وضعنا تحت سقف المحتل ،أتعلم قد استثرت غضبا عندما رأيت مريم الصغيرة تصرخ من الجوع وهنالك من يضع ولائم من الطعام في سلة المهملات أي سخط هذا ؟!
دعك من هذا الكلام و انظر يا صديقي الشارع، إنه “أحمد” صاحب العشر سنوات، يعيد زراعة نبتته التي كان يحبها، فقد اقتلعت مؤخرا في الحرب الأخيرة، وها هو يعيد زراعتها وهو مبتسم، ما أجمل الأمل!
لا، غير معقول، بسرعة يا صديقي، أدر عينيك وانظر إلى “سارة”، هاهي تعد أنفاسها وتتوقف للراحة، ما هذه الكتب التي في يديها ؟ من الواضح أنها ستذهب إلى المدرسة من جديد، وبدأت تستعيد قوتها من بعد استشهاد عائلتها.
آخ ما هذا الوخز، توقفوا إني أتألم، لا تقلق يا جاري الرصيف إنهم جيراننا يعيدون ترميمنا من جديد بعد تحولنا إلى حجارة ورمال، فهكذا هم الفلسطينيون ينقشون من ألمهم حياة وأملاً وصمودا.