
مع النهيق والصياح .. مناظرة ألسن
صاح الديك بنبرة صوت رنان حتى وصل صدى صياحه شفق السماء، ،فرد عليه الحمار قائلاً: ” يا صديقي المجبر على مصاحبته، لم هذا الصياح؟ ألا ترى أن الوقت مازال باكراً على النباح،فمع كل صياح يشعرني كأنه نباح الكلب من الإزعاج ، أريد النوم كي أستطيع أن أنهق على راحتي، هلا ترحمني قليلًا، أنا متعب كثيراً، ليلة البارحة أنهك جسدي من حركة السوط عليه، فلم يكل و يمل أبو أحمد من كثرة ضربي لأعمل ولسانه الحاد في الشتائم، مع أنني لم أفعل شيئاً، أتعلم يا ديكي العزيز أن أبو أحمد لم يكن كذلك، كان لطيفاً، ولم أعهده صعب المزاج إلا بعد الحصار والحرب على غزة، أحيانا أشعر أنه بات يكره رائحة الجدران، وملّ من عرق عمله حتى أضحى يصب كل تلك المشاعر علي “.
أضحكتني يا حمار النحس أنت، دائماً حظك غير موفق، وترافق من يعيشون تحت سراديب الفقر، أما أنا فصاحب المزرعة “أبو أيمن” التي أعيش فيها يمتلك الكثير من المشاعر يغدقها عليّ، ولا يشعرني بأي نوع من التعب، فاسمع جمال صوتي كيف يبدو “كوكو كوكو “، أنا سعيد في العيش في غزة ومع أبي أيمن، فحتى الآن لم أتضرر بشيء، ألم اقل لك إنك منحوس وأنا محظوظ.
توقف أرجوك، ما هذا ؟ هل أنت أصم؟ قلت لك قبل قليل أن لا تكرر صياحك، صحيح أنني أضرب بالسوط يوميا لكني أرى ما لا تراه، أشعر بما لا تشعر به، أنا يا صديقي أسمع أنين ” رنا ” تلك الطفلة التي تبكي كل يوم بجواري وهي لا تملك شيكلًا واحداً، وأراقب دموعها وهي تنسال على وجنتيها عندما ترى صديقاتها يذهبن إلى المدرسة وهي لا تستطيع، هل أنت سعيد بترفيهك وغيرك ممن يعشون معك لا يملكون شيئاً؟ أنا رأيتك البارحة ليلًا بأم عينيك ولاحظت أيضاً ارتجاف ريشك عندما مرت ” رنا ” بخطوات سريعة وتعثرت بالتراب، وسقط من يديها بعض الحلوى، فالتقطته وهو ملطخ بالرمال وأكلته.
توقف عن الحديث فأنت توجع قلبي دائماً، لكن أطفال غزة ليسوا جميعهم كذلك، فالبارحة سمعت أطفال أبي أيمن يصرخون فرحاً أنهم سيذهبون إلى أحد المطاعم للعب وتناول الغداء، هؤلاء أيضا أطفال .. غزة ليست فقر وألم ونباح.
أعلم أيها الديك المغرور، لكن سحقاً لك ولغيرك من أطفال غزة وغيرهم، إن لم يشعروا بهؤلاء الأطفال الفقراء بل المعدمين، لم هم مجبورين على العيش والموت وحدهم دون أن يلمس أصحاب الطبقات الراقية حزنهم و معاناتهم؟ لم يا ديك التكبر؟ أنت لا تشعر بي أنا أيضا.
ما هذا؟ كل هذه الأكياس من الغضب تحملها في قلبك .. أنا أعتذر .. أنا أحبك يا جاري الحمار، حتى أنني ذهب من المزرعة وآتي إلى هذه الأرض التي ربطت فيها بحبل هتك مع الزمن، لأتحدث معك وأسمع حزنك، فأنت صديقي ومن نفس العرف والوطن نحن.
اصمت وأنصت، ألا تسمع صوتاً لأقدام تسير باتجاهنا، أوه! ما هذا؟، انظر إنه صاحب المزرعة أيها الديك .. لكن ما هذه الحقيبة الكبيرة ؟.
ممم .. لقد نسيت أن أقول لك أن ” أبي أيمن ” يفكر في الهجرة، فقد ضجر الوضع في غزة والحصار من المحتل والآخرين، وهو يريد الذهاب للعمل في مكان آخر.
هههه .. وتفخر بمن تعيش معهم ، أنا يا صديقي ومن ألامس واقعهم رغم الألم والضرب الدم والحزن الموت والعذاب، ما زالوا يغرسون عروقهم في هذه الأرض، ويرفضون الهجرة تمسكاً بالوطن.
لا أعلم أيها الحمار لم كل تلك المكابرة! ما المشكلة في ترك الأرض والسعي للنجاح والرزق في مكان آخر؟ فغزة بنا وبغيرنا حية.
يا ديك الغباء أنت! غزة تعيش بشعبها وفلسطين بأبنائها، فإن تركنا هذه الأرض فمن سيدافع عنها!
أفّ! ضجرت من الحديث في هذا الموضوع، اتركنا من هذا الأمر وقل لي: سمعت البارحة أصواتاً ونبرات عالية فما القصة ؟
القصة يا صديقي أن أبو احمد أراد أن ينقل بضاعة لأحد التجار، وآخرون يريدون نقلها، فشبّت مشكلو حول هذا الأمر. ألا تعلم أن الوضع في غزة مخيف والرزق شحيح؟.
أعلم أيها الحمار .. لكنكم أنتم جنيتم على أنفسكم بذلك، لم تريدون الأرض ؟ .
هل جننت؟! من الواضح أنك خرفت! إن تركنا أرضنا للمحتل وكرامتنا فماذا سيظل لنا؟ وهل نحاسب ونتهم ونعاقب لأننا نريد ونعشق تراب الوطن ! .
يا صديقي الحمار رويدك.. لا تغضب! انظر إلى أشعة الشمس تناثرت خطوطها على جسدك .. هيا فالعمل ينتظرك، ولننتظر أيضاً أنا وأنت إلى أين سيصل الوطن .
نازك ، أسجل كامل إعجابي بمقالتك هذه
مزيدا مزيدا من الابداع اتمناه لك