هذه حياتي، وبيتي الذي اخترته، أشكل الرمال على طريقتي ،وأصنع من الوهم حقيقة لوني ولونهم واحد ،أنثر التراب في كل مكان ولا أبالي، من أن تتسخ الكلمات المختبئة تحت قطعة اللسان ، فملابسي ومظلة نطقي ، ألفت على حبات الأرض المتدحرجة، دون عجلات تأرجحها ، وعلى جسدي الذي ترهل بالوجع والجوع قبل نضوجه ..أشعل من الأكياس البلاستكية مدفأة، أقترب منها ،وتقترب مني، وكأن بيننا لغة مشتركة لا يفهمها إلا من ذاق مرارة الكأس نفسه ..توقظني أصابع الشمس قبل أن أفتح عيناي، وكأنها تضعني في إقامة جبرية، داخل لوحه من نفس حرارتها ،التي تفارقني وقت المساء ،من أنا ؟، أنا هو، وهم، أطفال رفضوا من أرادوا للبراءة أن تقتل ،وتفرغها مساحات الحرب بالبكاء المتقطع .“هنا حلمي هنا ما أخطط لأجله ” بهذه الكلمات افتتح لسان “حسام حداد ” 12 عاما صباحه الرملي المتوج بوريقات العشب الأخضر بين الحفر ، يتنقل بينها باحثاً عن أي شيء يلهمه في صناعه زينة لعرسه ،فالوقت قد اقترب ، والعروسة على مشارف الظهور ، و في هذه اللحظة يقول حسام :” الوقت سرقني اليوم هو يوم عرسي ،نعم أدرت ذلك ، لا أمتلك المال الكافي لكن هنالك الرمل ، هي رفيقتي وهي ليست مستغلة كالبشر، وكأبي، الذي يأخذ مالي وتعبي ولا يعطيني حتى مصروف كباقي الأطفال “..
ويتابع “حسام حديثه وهو يطوف بين الأعمدة والأغصان المحترقة بالجفاف :” أختي الصغيرة تساعدني اليوم والأحجار كذلك بل الطبيعة وما فيها ، وهل هنالك أجمل من أن نصادق من لا يدخلوا البكاء إلى قلوبنا ،دعوت أصدقائي اليوم كي نتمم الفرحة، وأتمنى أن لا تنقص بعد استيقاظ والدي من نومه ،فهو لا يحب أن نلهو هنا ،وما أن أشتم رائحة ظهوره ، هنا تشتبك أصابعي مع أختي الصغيرة نور وننطلق دون إزعاج للبيت ،وتردم أشكالي الرملية ،لكن لا بأس أعود في الصباح مع صقيع البرد ،للبناء من جديد “..

هي الابتسامة التي باتت رفيقته في حزنه ولعبه، ومدى أمله المنتظر ، فيكمل حسام ما تبقى من حروف في جعبته ويقول :” انظري هنا سأجلس، وهنا ستكون عروستي، بالتأكيد ، سيراودك سؤال: من هي فأختي لا أستطيع أن أتزوجها، هههه، أعلم لكن ريم هي العروس وليست نور ، مم،غداً قد تكون طفلة أخرى، من باب للتغيير وعدم دخول الملل من أبوابه ، فهذه اللعبة أحبها أنا وأصدقائي لأن
أكفنا تصفق ولا تصفع بالعصا ، وألسنتنا تنشد ما نحب ونريد ، ولا نجد من يصرخ في وجوهنا ليتجمد خوفاً من علوه ، فأنا ادرس في المدرسة ومن بعد ذلك أعمل فيها حارساً لها ،صحيح أكسب بعض المال لكن سرعان ما يأخذه أبي ، رغماً عني ، لكن سأبوح لكِ بسر ، من فترة قصيرة بدأت أضع بعض من المال الذي أحصل عليه من تعبي ، داخل حصالتي وأخبؤها بمكان لا يعرفه أحد “.

وصمت “حسام “برهة من الوقت وكأنه تذكر مشاهد تزعجه ،فأكمل بعد لحظات من السكون :” أبي كان يعمل خياطاً ،والآن توقف عن العمل ،كان يدس في يدي كل صباح مصروفاً لي ولنور لكن الآن لا شيء، لا مال، لا ملابس، ولا دمية، ألهو بها ، أنا وإخوتي الصغار “..
صوت صغير، لم تظهر معالمه بعد ، يخرج باستحياء وبعيون ملأها الخجل الذي صنع من وجنتين “نور حداد “، ست أعوام، كالفاكهة الحمراء ، فتقول :” أحب حسام أخي ، في كل صباح ، أجلس هنا ، على عتبة المنزل مع بعض البرد، الذي يتسرب من أول رأسي، وحتى قاع قدمي وما أن أراه حتى أشعر بفرحه كبيرة فهو يلعب معي دائما ويحميني إذا ضربت من والدي “..
معركة بالسيوف
هي قصة من خيوط الخيال، يسافر فيها “حسام “بعيداً عن ألم الواقع والحرمان، فتبدأ الحكاية وتنتهي مع حسام، فيقول :” البارحة ذهبت للمستشفى تعلمين لم !، لأن المحتل أتى البارحة هنا واستوطن بيتي الرملي ، لكن لم أسكت عن الأمر، ذهبت إليه وقمت بركله، نعم صدقي، وبعد ذلك تعاركنا بالسيوف ، لكن فجأة قام بإشعال النار، وحاولت إطفاءها لكن لم أستطع ، هنا زاد الاشتعال وأصبحت النار أطول مني ، وحرقت وجهي، وأغمى علي، ومن ثم وجدت نفسي، في المستشفى مع والدي وتعافيت والحمد لله “..
رنين الساعة انطلق، فأنف حسام اشتم أن والده قد استيقظ، وعليه الذهاب مسرعاً هو و “نور” ليودعا يومهما، على أمل ، في انتظار الغد على أن يكون أكثر بشاشة لواقع أكثر اتساعاً لصور خيالاتهم الطفولية في فلسطين المحتلة .