-
عكس التيار في صناعة النفس
عكس التيار في صناعة النفسحينما يكون المرء طفلا يحبو على الأرض يكون وقتها بحاجة إلى أن يلتقط أي شي من عالمه المحيط به ,ويبدأ بالحفاظ على تلك الأظافر الناعمة من أي خدش قد يصيبه , فبداخل نفسه تبدأ الهواجس بالنمو لتتصدى لأي هجوم قد يتجه إليه كسهم يخترقه فيصاب بضرر دون أن يدري , وفي هذه المرحلة يبدأ بالاعتماد على الكثيرين ممن يغلفونه في بقعته التي يعيش بها ,فقد يحاول ذاك الطفل أن يكتشف هذا العالم الغريب بإنارته وصوره التي لم يعتد عليها بعد , فهو قد خرج من عالم الرحم الأموي المغمور بسائل الحماية والحنان إلى عالم أكبر أوسع من تلك الجدران اللحمية, ومع بداية كل نهار تفتح العينان ويتوسع العقل ليبدأ باختزان والتقاط أكبر عدد من المعلومات والاستكشاف للتعرف على تلك البيئة الجديدة …ويكبر ذاك الطفل وينتقل إلى مرحلة هي الأصعب في حياته ,وهي اختيار طريق مسيرته في دنياه ,فهذا ليس بالأمر الهين,فحينما يقضى المرء وقتا طويلا بتجميع العناصر والمفاهيم قطعه تلو القطعة ,عليه هنا أن يتروى ويفكر ويحلل مليا في الاختيار , فقد انتهى ذاك الطفل من عمليه التجميع مؤخرا , ليمر الآن بالأصعب حالا فغربلة الطبق لاختيار الأفضل والبدء في التهامه ليس بالأمر السهل بل ويكون الأمر أكثر صعوبة حينما يجد تناقضا بين بيئته المحيطة به ومعانٍ أخرى انجذب إليها عقله ,فاكتسبها ليشكل بالنهاية قدَحاً فكرياً متناقضاً بين ما تربى عليه وما بدأ باكتسابه من بيئات أخرى …وتبدأ رحلة التفكير والشد والجذب والنظر إلى المغريات فيصل إلى مرحلة يكسر فيها حاجز الخوف والتردد نتيجة للتناقض الناشئ داخل مملكته الفكرية …يبدأ هنا شعور يتكون وينضح على سطح ذاك المرء الذي لم يعد طفلا وهو لذة الانتصار على نفسه وبيئته وقد يغره ذاك الشعور للحظات أنه انتصر انتصارا كبيرا على العالم الدنيوي ,لكن في الحقيقة ما هي إلا بداية لـ “التحمية الجسدية” للدخول في بحر ممتلئ بدوامات تتداخل ببعضها وقد اعتلتها أمواج هائجة متلاطمة من كل جهة في ذاك البحر, الذي حتى في مياهه قد يجد ملوحة لن يستطيع التنفس ولا حتى الإكمال بسببها…كل ذلك الوصف في تلك المرحلة قد لا يراه المرء في البداية بسبب ذاك الشعور, فالضباب يمنع عيون ذاك الإنسان أن ترى إلا المنهج و الشاطئ الوردي الذي اختاره ,متناسيا أنه قد يعرقل بعقبات أو تصادفه أشواك تنخز جسده بل وقد يستمر الأمر إلى أن تستوطن فيه لتبدأ بالتوغل بداخله, والذي مع كل حركة تدخل فيها تلك الأشواك تكون موصولة بألم لا يوصف بكلمة ولا إشارة …كل ذلك لن يتحسسه المرء إلا بتجربة يتجرعها رويدا رويدا , فتبدأ الرحلة أولى محطاتها بصفعة على الوجه تضرب من دون سابق إنذار, فالشاطئ ليس ممهدا برمال على بساط ناعم , والبحر ليس بصافٍ والأمواج ليست كالظلال الهادئة ,فالصورة تبددت وهنا يبدأ الإنسان بمصارعة تلك العناصر واحدة تلو الأخرى , بل وقد يكون في أوقات أخرى أكثر من عنصر في آن واحد ,هنا قد تتمثل تلك العناصر بأشخاص متناقضين مع المرء فكرا ومضمونا فتظهر أولى علامات الصراع بتناقض أيدولوجي فتصنع العقبات ويخدش المرء, ثم يقف أو يمضي منتصرا بإرادته ليواجه تحديا آخر مع أشخاص آخرين ,لكن قد يكون الابتلاء مختلفاً هذه المرة ,فيأتي التصادم مع من يتشابه معهم فكريا , ففي هذه اللحظة على المرء أن يتنبه لأمر هام وهو أن المنهج شيء والأشخاص الحاملين له على أكتافهم شيء آخر, إن تلك المحطة من التحدي قد تجعل المرء مبعثر الأوراق ونتيجة هذا الأمر قد تبدأ عناصر أخرى بالظهور لجذب المرء وخداعه وأخذه لصفها باستغلال ذاك التحدي فإما البقاء والثبات على المبدأ والمنهج وعدم الاكتراث مع أي شخص وإكمال المسير وإما التوقف أو العدول عن تلك المملكة الفكرية وخسارتها ..إن مرحلة الثبات من بعد الإعداد والبحث وبناء القاعدة الفكرية هي الأكثر صعوبة ففيها إما أن يقبض المرء بيديه كل جهده وتعبه في البناء أو أن يبعثر تلك الطاقة من أول هبة ريح لاختبار ثباته ومبادئه …في النهاية يبقى الأمر سباحة عكس التيار ,فرغم كثرة عقباته وطول زمنه إلا أن ثمار نجاحه ستظهر ولو بعد حين فعلى الإنسان أن يتيقظ لأي إغراء خارجي ولا يتألم لحاملي المنهج إن أخطئوا أو كانوا عكس المتوقع فكل تلك العناصر وغيرها ما هي إلا محطات يمر بها الإنسان كي تكون أنبوبة اختبار في صدق نيته في اختياراته لتلك المبادئ , فالنهاية المريحة لا تبدأ إلا بمصاعب عكس التيار لصناعة النفس فكرا وقلبا وروحا …No related posts.
Category: مقالات | Tags:




