
محمد عواجه :سأبقى أحرس المقبرة حتى الممات
هواءٌ عليل ونسماتٌ باردة تصافحها أشعة شمس بعروقها الذهبية، لتنشر ظلالها على أرض واسعة الأطراف مسجية الحدود، واضحة التفاصيل، بقبور تظهر على سطح تلك الأرض، والتي تعتبر فلسطينية الهوية وأجنبية لأصحاب من هم تحت تراب ذاك السطح المخضر، والمزين بزهور وأشجار قصت على أشكال هندسية ذات أسعار لا يستطيع الغزيُ أن يقتنى واحدة منها في بيته، كل ذاك الوصف يتجسد في المقبرة الانجليزية في قطاع غزة والموجودة في القطاع منذ أكثر من تسعين عاماً، فعائلة “جرادة” تقوم بالاهتمام بها منذ أكثر من خمسين عاما ورثوها عن آبائهم ثم لحق بهم الأبناء لتعتبر المصدر الوحيد لكسب لقمة عيشهم، بل ولتصبح تلك المقبرة سكنا لتلك العائلة.
تاريخ المقبرة ..داخل نصب تذكاري
“عهدةٌ بريطانية خطت داخل نصب تذكاري كسي ببلاط صخري نقش عليها كلمات حول المقبرة الانجليزية بعدةِ لغات “العربية والانجليزية والعبرية” فحواها أن الأرض المقامة عليها المقبرة هي هبة من أهالي فلسطين لتكون مقر الراحة الأبدية لجنود الحلفاء الذين قتلوا في حرب (1914-1918) تخليدا لذكراهم ”
بتلك المعلومات تحدث “محمد عواجه” حارس المقبرة الانجليزية و صاحب الشعر الأسود الذي تتخلله العديد من الخصل البيضاء، تدلل على كبر سنه، فيقول للجزيرة توك عن تاريخ المقبرة الانجليزية في غزة: “تلك المقبرة الانجليزية أقيمت منذ الحرب العالمية الأولى، وتلك القبور هي لجنود بريطانيون شارك في تلك الحرب وقد دفنوا فيها هذه الأرض ومن ذاك اليوم تقوم الحكومة البريطانية بالإشراف عليها والتكفل بكل شيء يختص تلك المقبرة ” ويتابع جراده حديثه فيقول :”هناك الكثير من البريطانيين يأتون إلى هذه المقبرة لزيارة القبور، وبعض المسؤولين للمراقبة والإشراف عليها، وتنظم بعض الرحلات من غزة لزيارتها والاطلاع عليها “
وبنظرة كستها ابتسامة رطبت بقطرات عرق تصببت من وجه عواجه قال: “الاهتمام والمحافظة على نظافة هذه المقبرة تأخذ كثير من الوقت و الجهد، فالمساحة كبيرة وكمية الأزهار والنباتات المزروعة تطلب نوعاً خاصاً من الاهتمام والسقي، فبعض هذه الأنواع من الأزهار تأتي من الخارج وتتطلب أساليب معينة للاهتمام بها “.
موقف من الذاكرة ..

الحرب الأخيرة التي أشهرت على قطاع غزة جعلت للغزيين ذاكرة جديدة تختزن داخل عقولهم والتي تكدست بمواقف لا تمحى مهما مر عليها الزمان، ومن بين تلك الأحداث كان لـ “عواجه” موقف دمغ داخل نفسه فيقول: “لا أستطيع أن أنسى ذلك اليوم في الأيام الأخيرة للحرب على غزة كانت اشد ضراوة وقسوة من قبلها، وأنا وعائلتي نسكن في بيت داخل تلك المقبرة وفجأة في منتصف الليل قصفت المقبرة من قبل الاحتلال وزاد الخطر علي أنا وأفراد أسرتي، لكني آثرت أن أبقى ولا أغادر المكان، لكن عائلتي لم تستطع أن تبقى لخطورة الوضع، فكانت المنطقة ملغمة من صواريخ وقذائف المحتل واضطرت أن تغادر البيت، وبقيت وحدي كي أهتم بالمكان “.
وردا على سؤال الجزيرة توك لـ “عواجه “حول السبب الذي دفعه للبقاء قال: “لا المال ولا الألقاب هي التي دفعني للبقاء في المقبرة، لكنها نخوة وتضحية الفلسطيني لعمله أي وأينما كان” وفجأة طأطأ عوجه رأسه ثم قال: “حزنت كثيرا حينما رأيت في الصباح منظر المقبرة قد تحول إلى شكل لم أعهده من قبل، وبعض القبور التي تكسرت بفعل القذائف, فهذا يدل على نتيجة واحد وهو أن المحتل كان يريد أن يحول غزة إلى جحيم بمن فيها “.
لم تستطع “فاتن” ابنه عوجه أن تخفي فخرها وفرحتها التي قفزت من عينيها لتعبر فيها عن موقف أباها فتقول: “أشعر بالفرح والسعادة لما فعله أبي، بصراحة كان ذلك اليوم شديد الخطورة، ولم نكن نسمع سوى صوت القذائف التي كانت لا تتوقف ولا تصمت للحظة، حتى إنني لم أستطع أن أبقى في البيت وخرجت إلا أبي. “.
حياتنا عادية …كالباقين

تصف “فاتن “حياتها داخل هذه المقبرة أنها عادية وتعيش كباقي الغزيين ولا تشعر أنها داخل مقبرة، بل تستمتع كثيرا حينما تتجول داخل دهاليز هذه المقبرة فتقول:”حينما يأتي موعد الامتحانات اذهب لأدرس في المقبرة فالهدوء والهواء يجعلني أكثر قدرة على الاستيعاب و الحفظ، وأنا وإخوتي نعيش حياة طبيعية، صحيح أن المكان بعيد عن الحياة المدنية لكننا اعتدنا على ذلك “.
أما “محمد ” والذي يبلغ عشر سنوات من عمره فيقول: ” أحب هذا المكان كثيرا، وأحب الأشجار والأزهار الموجودة فيه، كما إنني ألعب داخل هذا المكان، لكن عمي دائما يحذرني من أن أتلف شيئا من تلك النباتات “.
إن كان هذا المكان يمثل متنفسا للغزيين، أو مصدر رزق يكتسبون منه قوت يومهم الوحيد، أو مجرد مقبرة مهمة لبعض الفلسطينيين و غيرهم، إلا أن تلك الأرض فلسطينية الهوى والهوية، وحارسها يسجل له نيشان شجاعة داخل صفحات التاريخ ,أنه وضع روحه على كفه لأجل هذه المهنه.
No related posts.






