• مقتطفات إشارة ضوئية ..!

    مقتطفات إشارة ضوئية ..

    حياة غزة تملؤها علامات تعجب واستفهام ،وكأن هنالك من يسيرها عبر رموز ضوئية في الخفاء، ليظهر في المنعطف مشاهد عند كل إشارة ضوئية .
    السيارات التي تتلاقى عند تقاطع الطرق دون أضواء، هي ذاتها التي تلتقي أيضا عند إشارات المرور وألوانها. وهنا تفك عقدة اللسان إما بالحديث، أو ببث الغضب والضجر بدقائق معدودة بإشعال لفافة تبغ “رخيصة الثمن”.
    في هذا الحيز الضيق عند الإشارة الحمراء، تتوقف عجلات السيارات والدراجات وغيرها، لكن بين الحركة والسكون لا يوجد فاصل، هي عجينة تدمج بين هذا وذاك، فتطرز على الطريق قماش غزي مبعثر الرسوم عبر إبرة تنوع حاملوها ليطبع كل شخص بصمة تعبيره وشعوره وحتى تفكيره.


    داخل سيارة أجرة
    على الطريق ينقل أحمد شعبان بسيارته الناس من مختلف الأعمار، هيكل سيارته الخارجي يوهم العامة بفخامتها، وما أن يصعد الراكب حتى يصدم بحقيقة الواقع..
    ، فالفخامة تحولت في الداخل إلى شيخوخة وترهل لكل التفاصيل، ورغم ذلك تتحول سيارة أحمد من وسيلة نقل إلى وسيلة تفريغ للغضب والحزن، فيبدأ الكلام وينتهي عند كل إشارة ضوئية،فيقول أحمد:”ما إن تتوقف السيارة عند الإشارة الحمراء حتى تتصاعد فجأة أصوات الركاب ونبراتهم داخل سيارتي، بين ضجر وغضب وحديث في السياسة والتعليق على سوء الأحوال الاقتصادية وحتى التعبير عن مخاوفهم “.
    ويتابع أحمد حديثه – بعد عدة تنهيدات زفرها مرة واحدة – فيقول :”عندما أتوقف عند إشارة المرور، يمر علي فيلم سريع من عدة مشاهد خاطفة، في كل يوم في هذا الطريق أصادف شيخاً لا أعرف اسمه لكني أصادفه يوميا، أشعر هنا بحزن ولعنة على الحال الذي جعله بعمره وشيخوخته أن ينزل عند إشارة المرور، ويسرع عند الإشارة الحمراء، عله يبع بعض من علب المناديل الورقية، أحيانا ألمحه يعرج من سرعة تنقله من سيارة لأخرى ووجهه يتصبب عرقاً “.


    ويصف “أحمد ” إشارة المرور بأنها تعكس كثيرا من حياتنا في غزة، من حيث سلوكيتنا والنواحي المحيطة بنا فالأحمر دائما لون الدم والضحية وهو الأكثر انتشارا في غزة، أما اللون الأخضر فهو الأمل الذي ننتظر ومساحة التحدي والإبداع المطعمة باللون الأصفر استعدادًا لأي طارئ قد يخرق الأمل “.
    يبتسم أحمد ابتسامة ملؤها الحزن وكأنها تعيده إلى ذكريات ماضِ مؤلم فيقول :”حينما كنت أقف على إشارة المرور فجأة دوي انفجار كبير، نظرت فوجدت زجاج النوافذ قد تكسر وامتلأت سيارتي بالدخان، وبعد دقائق تلاشت أعمدة الدخان، وإذ بي أرى في سيارة مجاورة شخصاً ملأت الدماء وجهه ورأسه مشجوج” .

    رموز و إشارات تحكمنا ..ولكن !

    يرى “حمزة محمود ” أن الإشارة الضوئية تمثل حياتنا بشكل واسع، فكل لون منها ينقسم إلى عدة تناقضات في غزة، يقول حمزة :” كلما نظرت إلى إشارة المرور، تمر في ذهني عدة أمور، وكل لون فيها يمثل لي شيئا، فاللون الأحمر هو لون المسئول الذي يحركنا يمينا ويسارا كاللعبة دون التفوه بكلمة واحدة هو الخوف والرهبة من الشخص وعلى أنفسنا، وإشارة المحتل الحمراء أخف وطأة من تلك التي تأتي من داخلنا ومن الانقسام الذي بات شبحاً يلتف حول رقابنا، والأحمر يشعرني بالتفكير، والتفكير في غزة قاتل، فهو أكثر الألوان التي تأخذ حيزاً من الوقت والوقت فتاك “.
    أما بدور أبو كويك فترى أن اللون الأحمر يمثل لها الاستعداد لشيء كبير، قد يكون خطيراً، وفي أحيان أخرى يكون بسيط ونحن من نعطيه حجما أكبر مما يستحق.


    تقول أبو كويك :”الأحمر هو الاستعداد، فنحن في غزة دائما على أهبة الاستعداد لكل شيء حتى حينما نأكل، ونصلي أو ندرس، كل ثانية تمر نكون قد برمجنا أجهزتنا على أي طارئ، واللون الأصفر يمثل لي تحدي للنفس والذات والمحتل “..
    اللون الأخضر في غزة لكل شخص، هكذا عبرت نداء الديني عن انعكاس تلك الإشارة في حياتها وفي محورها فهي ترى أن كل شخص أعطي حقه أن يمارس ذاك اللون على نفسه وعلى غيره وتضيف قائلة : ” الأخضر بات في غزة منتشراً، وكثيرون باتوا يعطون لأنفسهم صفه الأحقية في السماح وإباحة الأمور، لكن ما يخفيني بحق هو ذاك اللون الأحمر المضرج بالانقسام الداخلي ، فحمرة المحتل أقل لهيبًا مما نعيش فيه من نار الانقسام “.
    هكذا هي التقاطعات الضوئية والإشارات في غزة، فهي تمثل رموزا تعكس ملامحها في كل زاوية طفل وعجوز، وترسم نقاط حبر على وجوه الغزييين، و تشكل تضادا، فكل نقطة تمثل ، بداية لاستفهامات جديدة عند كل ندى صباح،لا نهاية المشوار ..

    شارك الموضوع:
    • Print this article!
    • Twitter
    • del.icio.us
    • Facebook
    • Google Bookmarks

    No related posts.

    Category: تقارير مكتوبة | Tags: