• حينما تجتمع البسمة والدمعة في غزة

     

    حينما تجتمع البسمة والدمعة في غزة

    نازك ابورحمة – غزة
    هي أيام تعكس مراياها داخل ذاكرة العقول ،البارحة كان وغادر ، واليوم مساحات مكسوة بأعمدة مهملة ، امتلأت برائحة الماضي المطعم بنكهة الألم ،حمصت بأشعة شمس تنثر بقايا الأمل المنتظر، لتسعل ما تبقى من الحزن ..
    في الركن الآخر من الحيز الموجوع، أنوار صمود تخرج، عبر مصباح الأعمال التي حرثها الغزيون خلال عام كامل ،من بعد حرب قاسية لم تراعي فيها أحد ، و التي صنعت أجندة جديدة بتواريخ طرزت على جدران فلسطين ..
    في هذه الأيام محطات القطار اختلفت ، بعد عام كامل في غزة ،منها محطات لم يتغير فيها شيء الملامح، والوجوه، وحتى الجرح، حينما تركت وحتى اللحظة هي كما هي ، والأخرى تصاعدت فيها القوة والصمود ،والتغيير ،حتى ولو اتسع الأسى .
    تسير التناقضات، لتتعانق عند المفترق البسمة والدمعة، فكل منهما تعمل لكن على طريقتها .
    ضحكات وقفزات تصاحب المكان
    بين الأركان المظللة بغبار الهدم، والأعمدة المنكسرة، تطوف البسمات ،مصافحة الجدران المائلة بذاكرة تنتفض كلما مر عليها منبه الاستيقاظ على الواقع الموجع …
    “محمد سعيد عبد ربه “13 عاما يملأ مساحة عزبة عبد ربه، التي أصبحت كالكف المتراكم بالانهيار، هو وأصحابه يتبادلون كرة القدم بأقدامهم التي أصرت على البقاء ،وغرس طفولتهم النازفة ،حتى ولو كان سقف بيتهم صفيح رث ،يسنده خيمة حلقت بعيدا بسبب أعاصير الشتاء..
    هنا في هذه الأجواء يقول محمد سعيد ضاحكا :” الآن بعد مرور عام كامل على الحرب أصبح إصراري على البقاء اقوي وأكثر عنادا ،لن أترك ارضي وبيتي حتى لو أصبحت كله أجزائه كتلة رملية وسراب ،سأضع الحجر، سأبني بساعدي أنا وعائلتي وأصدقائي ،لن نترك المحتل يرتع كما يريد ،سنظل شوكة في حلقهم ،إلى أن يسترد الوطن “..

    في زاوية قريبة من المكان ، فأس يتحرك للأعلى مرة يبرد مع برودة الهواء ،ومرة للأسفل يضرب في التراب لينعشه ،لتعود الحياة مخضرة من جديد ،”طلعت محمد لوا”12 عاما طفل آخر تحدى تفاصيل الوجع فبعد الحرب عمل على إعادة حرث ارض عائلته التي جرفها المحتل فيقول طلعت بهمة، جعلت لسانه يتداخل مع الكلمات بسرعة :” هذه الأيام التي نعيشها تتم عام كامل من المأساة التي نعيشها من بعد الحرب التي خلفت كارثة من الدمار في كل شيء ،واليوم أنظر إلى ارض أبي الزراعية، كيف كانت بعد الحرب كتل من الرمال، جميع الأشجار والشتلات والأعشاب قتلت ،أما الآن وبحمد لله، أشعر أنني انتصرت على المحتل، فقد أعدت حرث الأرض وبدأت أرى بريق وجهد سواعدي أمام عيني ،و إن أعيد تجريف هذه الأرض ،سأجدد العمل ولن أيأس “.

    ضحكات صغيرة،تطوف حول الأماكن المهدمة ،بالجرح النازف، لتصنع من بسماتها ترياقا يسكب داخل حدقات العيون الدامعة ،ترسل ببراءتها سلاما، ممزوج بالأمل، تقرعه كل صباح مع تغريد العصافير التي تنقر بنقائها خشب الزيتون ..


    “مرح عبد ربه ” تقفز من منطقة لأخرى ،تداعب الأغصان المخدوشة بالانكسار،ودمعه أمها مغصا ،على ضياع البيت وانهدامه ،فتقول “مرح ” مع ابتسامة لم يستطع المحتل سرقتها :”لعبتي قد ماتت بعدما هدم البيت والوضع الآن تغير لكن سأظل العب واضحك ،وحينما أكبر سأصنع الكثير لوطني وللأطفال بمثل عمري كي يعيشوا أعمارهم “..

    بالفن والمشاهد نعمر الوطن .
    “طوبي للجياع الذين سيرثون الأرض حتما ” هي كلمات قصيرة عطرت درب المخرج “عماد بدوان ” ،بعد عام كامل من حرب غزة، وهنا عكس ،”بدوان” مشاهد غزة المبكومة ألما ،عبر صناعة أفلام قصيرة تحدى من خلالها جميع ملامح الضعف والحزن ، وميض الكاميرا ،وبناء الصور ،واقتناص الوجوه والقصص هي أدوات مقاومته التي جمعها لتكون مخزن سلاحه في جعبته ليشهرها وقتما شاء ،ويقول “عدوان “للجزيرة توك عن غزة :” كلوحة كبيرة في مٌخيلتي هي غزة ،أرسمها فتبادلني إحساس نابع من حٌبي لها،غزة هيالروح التي أتستمد منها الحياة … كفنان غزة هي أساس إبداعي “.
    ويكمل “عدوان ” أن أساس استمراره وزيادة قوته بعد تلك الحرب القاسية هي معاناة الفلسطينيين التي دفعته لصنع أفلام وثائقية منها فلم one off ,و فلم to be ،والذي حصل الفلم الأول على جوائز عدة جوائز، هذا الأمر الذي صنع من روحه قوة ،للاستمرار من أجل الشهداء وبقاء الأحياء .
    ” أن كون حرا، لأننا ولدنا أحرار، ولم نكن يوما عبيدا لأحد، أنا وكثيرين غيري نريدأن نشعر بالأمان الداخلي، عندما نعمل ضد إسرائيل،حيث إنني ابذل كل جهدي وآخرين من الفلسطينيين ، من أجل أنتحاكم وأن يلاحقها القضاء العالمي.” هي الحروف التي أراد أن يصرخ فيها “بدوان: أمام العالم والتي شكلتها يداه على هيئة أفلام قصيرة ..

    هي الريشة هي الألوان ، التي باتت تفرض نفسها ،تصنع من الوجوه قصصا ،
    تخط مداد الأسماء الموجوعة، والضاحكة شوقا ،تحتضن المشاعر لتصبغ كل معنى برائحة صنعت خصيصا في غزة ،خطوط وخربشات ،طوليه عرضية ودائرية، تدخل في عمقها فتتراءى للعين بأكثر من مشهد ..

    “محمد حرب ” فنان تشكيلي أكمل التغيير ،الذي حدث في غزة لكن بطريقته وأسلوبه الخاص ويقول” حرب” بعد عام كامل من حرب غزة :” لقد تغيرت ملامحنا ،تغيرت خطوطنا ملابسنا وألواننا ، ولكن لم تتغير في إرادتنا، بل أعطتني قوة اكبر،لأسير قدما إلى الأمام ، الحرب لم تكن فقط بغزة . الحرب شاهدها مختلف العالم ،الحرب غيرت مفهوم اللون في اللوحات أصبح الجسد محور مهم بالأعمال، أصبح الجسد يترجمه بملاحم بعيدة عن الآدامية هكذا دائما تقول لنا المخلية ، قد يصبح أحدا منا يوما موضوع العمل القادم”..


    وأكمل “حرب حديثه :”ملامح الحرب حضرت هنا وهناك كان أولها معرض في ولاية هامبروخ في ألمانيا بعنوان” محرقة غزة “الذي عرض فيها مجموعه كبيرة من الصور الفوتوغرافيا وأعمال الفيديو و قد عرض في ألمانيا أثناء الحرب ، و شارك بهذا الحدث مجموعه من الفنانين والمصورين ، من غزة وغيرها وكان هناك مشاركة ، مهما في مهرجان ملتقى الإبداع الشبابي ، في مدنيه فاس بالمغرب ،وقد كان فليم الفيديو آرت ،بدون نوافذ ضيف شرف المهرجان ، الذي جسدت فيه الحصار الخانق ،الذي عاشت فيه غزة قبل وبعد الحرب”.

    وتابع “حرب “قائلا :”وكان المعرض الشخصي الأخير بعنوان ” انعكاس”في القاهرة بجاليري جوجان بالتعاون مع السفارة الفلسطينية ،وقد شارك معنا بهذا المعرض ،كل من فنانين من مصر، والعراق، وفلسطين ، وقد عرضت فيه 7 أفلام فيديو ارت ،بعنوان تحت سماء غزة “.

    واختتم حرب حديثه بكلمات قائلا :” الحرب على غزة صنعت بداخلي أكثر تحديا و في اللوحات وأعمال الفيديو ،صنعت مني دهشة جديدة وتعطش للعمل”..

    اثنا عشر شهرا فجرت الكثير من اللوحات الغزية، من أعمال وأفلام، وحتى بسمات الأطفال ليبقى الشعار ،معقودا فوق الركام بمنديل موشح بالصمود والعزة .

    شارك الموضوع:
    • Print this article!
    • Twitter
    • del.icio.us
    • Facebook
    • Google Bookmarks

    مواضيع مرتبطة:

    1. حينما فارقني البنفسج..